
لا أعرف كيف أعبر لنفسي عن نفسي , فالشهر الفائت كان من أكثر أشهر حياتي دراماتيكية , نعم لقد حان الوقت .
قبل أسابيع عندما كنت أسمع صوت الرصاص يمر على بعد سنتيمترات من رأسي و أرى أناس بجانبي يسقطون مضرجين بدمائهم لا لشيء سوى لأنهم يطالبون بحريتهم و بحياة أفضل لأبنائهم و احفادهم , كنت لا أتوقف عن التفكير في الكثير من الأشياء و أهمها أني كنت أحمد الله أني لم أرتبط بشخص آخر في هذه الحياة لدرجة أن أخاف من الموت حباً في ان لا أجرح مشاعره..
عائلتي الحبيبة ساعدتني في أن أتصرف بما تمليه علي مبادئي ولم يعترض أحد على أي قرار كنت أتخذه بما فيها قرار الانخراط في الأعمال الإحتجاجية وتعريض نفسي للأذى من الطرفين .
فقد كنت أريد مع الكثير من الشباب أن تكون ثورتنا نظيفة و هادئة وبأقل الخسائر حتى وإن طالت , و كانت معارضتنا للأعمال الثورية التصعيدية الغير مخطط لها تجلب لنا الكثير من المتاعب و بدل أن نقلق من قوات الأمن بتنا نقلق أكثر من “الصقور” في قيادة الثورة.
كنت كل ما شعرت بالخطر يدنو منى أفكر بكل من عرفتهم و أخذوا مساحة من قلبي , إبتداءً بعائلتي الحبيبة و أولئك الذين قضيت معهم أيام الثانوية إلى الجامعة إلى أولئك الذين غيروا مسار حياتي دون حتى أن أراهم.
كنت أفكر فيهم واحداً واحداً , و أحاول مراجعة لحظاتي و تصرفاتي معهم و هل ما فعلته معهم كان صواباً أم لا , و كنت أتخيل للحظات أنه إذا ما حدث شي فلا بد انها ستتاح لي فرصة لأن أكتب حتى رسالة نصية واحدة على الأقل قبل أن أتوقف عن الحياة ..
وبغباء لا أعرف كيف أصابني كنت أفكر بما يمكن أن أكتبه في تلك الرسالة وهل هناك إمكانية لأن أكتب شيئاً في عدة سطور يصل إلى كل من أظن أنهم يستحقون تفسيراً لما قمت به ؟؟
رغم أني لم أكن في معركة حربية أو في مكان شديد الخطورة لكن كنت غالباً أتخيل شعور الجنود الذين يقدمون على الموت و هم يعرفون أن هناك إمكانية كبيرة في أن لا يعودوا إلى عائلاتهم و أبنائهم و أولائك الذين يحبونهم , وكيف يفعلون ذلك دون أن يشعروا أنهم قالوا كل ما لديهم وعملوا كل ما يمكنهم ليجعلوهم سعداء .
الأسبوع الماضي حدث ما كنت أتهرب منه لسنين , أخيراً بعد أن أيقنت أني لا يمكن أن أعمل للوصول إلى الخطوة الأولى من طريق طويل رسمته بدون أن ألتفت إلى حياتي كإنسان يحتاج على الأقل لشخص آخر يفضي إليه بكل ما في قلبه بدون حواجز ولا تحفظ على أي شيء , كنت على قدر ما أرى الزواج مسؤولية كبيرة أراه أيضاً عامل إستقرار ودعم قوي لمن يحتاج إليه..
الأشهر الأخيرة فقدت آخر من كان يمكن أن أتحدث إليه بما أفكر فيه و أتبادل معه أفكاراً نؤمن بها مع أنها أقرب إلى المستحيل , تزامن ذلك مع حمى الإهتمام بحالتي الإجتماعية من كل الناس حولي من أبي و أمي إلى زملائي في العمل , و فعلاً بعد أن بدأت أحداث الثورة بالتراجع لصالح تسوية سياسية تلوح في الأفق و بعد أن تحررت من آخر قيود الذنب التي كانت تقيدني إلى الماضي قررت أنه حان الوقت لأن أتقاسم حياتي مع فتاة رأيت في أفكارنا الكثير من التقاطع , وفي شخصياتنا الكثير من الإنسجام , و طرقت باب الخطوبة رسمياً قبل أيام ..
رغم أنه لم يتحدد موعد الزواج أو كتب الكتاب الذي لا أتوقع أن يكون قبل سنة أو سنتين لكني منذ أول لحظة غادرنا فيها باب منزل مخطوبتي أحسست بشعور ذلك الجندي في المعركة الذي يرى الموت بعينيه و يحاول أن يتجنبه ليس خوفاً منه بل حباً في أولئك الذي يتشاركون معه حياته , ولأول مرة أشعر بأن حياتي ليست ملكي وحدي و أن هناك من يهمه أمري أكثر من نفسي و أكثر من أي شخص آخر في هذه الدنيا.
أقرأ باقي الموضوع »








