أعيديني إلى حضنك

في آخر أيام الصف الثاني الابتدائي وأنا أجلس على الأرض أمامكِ أحكي لك مغامرتي مع عبير ومحمود في العودة من المدرسة تحت المطر , أتناول البسكويت الساخن بسعادة بعد أن غيرتِ لي ملابس المدرسة المبتلة ,
و رائحة المطر تتسلل من النافذة المفتوحة على الوادي الكبير خلف منزلنا القديم , مصحوبة بنسيم بارد يشتت أشكال الدخان المتصاعد من فنجان قهوتك و يحتل أرجاء الغرفة المعتمة بسكينة و هدوء ,
و عيناكِ تراقب بتأمل تلك السحب التي تغادر مبتعدة بعد أن أفرغت حمولتها من المطر علينا , أصوات العصافير التي خرجت من أعشاشها سعيدة بانتهاء المطر تختلط مع أصوات الأطفال الذين يمرحون في الخارج في تناغم لا يوصف .

أمي أتذكرين تلك اللحظات , أمي , امي , ماما , أماه , مااام … يا ربي , اشتقت لأن أناديك , وأسمع ردك , أريد أن أسألك هل كانت تلك اللحظات حقيقية ؟ هل عشناها فعلاً , أم كانت جزءًا من قصة خيالية سعيدة قرأتيها لي .
أمي , يا ماما , تعبت , تعبت من كل شيء , تعبت من الغربة من العمل من المسؤولية , من الأحلام التي أرسمها لتمحيها الأيام , تعبت من أحوال الناس من الأخبار من الأحداث من نفسي من الدنيا , من كل شيء ,
أعيديني إلى حضنك , أريد أن أنسى كل شيء سوى ذلك الشعور الدافئ الذي يجتاحني عندما أرى السعادة في عينيك , أن أغادر هذا العالم الموحش وأسكن للأبد في ذلك العالم الصغير بين النافذة وكرسيك و الطاولة الزجاجية التي يعتليها طبق البسكويت..
_


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.